سيد محمد طنطاوي
217
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) * أي : من الجهة التي لا تخطر لهم على بال ، أن العذاب يأتيهم منها ، فيكون وقعه عليهم أشد وأفظع . * ( فَأَذاقَهُمُ اللَّه الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) * أي : العذاب الذي يذلهم ويخزيهم في الحياة الدنيا * ( ولَعَذابُ الآخِرَةِ ) * . المعد لهم * ( أَكْبَرُ ) * كيفا وكمّا * ( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * أي : لو كانوا من أهل العلم والفهم لما ارتكبوا ما ارتكبوا من كفر وفسوق وعصيان ، أدى بهم إلى العذاب المهين . ثم كرر - سبحانه - مدحه للقرآن الكريم ، بأن بين أنه مشتمل على كل مثل نافع للناس ، وأنه لا لبس فيه ولا اختلاف ، وساق مثلا للمشرك الذي يعبد آلهة كثيرة ، وللمؤمن الذي يعبد إلها واحدا ، وبين أن جميع الناس سيعمهم الموت . وأنهم جميعا سيرجعون إلى اللَّه للحساب ، فقال - تعالى - : . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 27 إلى 31 ] ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 28 ) ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلًا فِيه شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) واللام في قوله - تعالى - : * ( ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ . . . ) * موطئة للقسم . أي : واللَّه لقد ضربنا وكررنا بأساليب متنوعة في هذا القرآن العظيم ، من كل مثل يحتاج إليه الناس في أمورهم وشئونهم ، وينتفعون به في دنياهم ودينهم . وقوله - تعالى - : * ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) * تعليل لضرب المثل . أي فعلنا ذلك في كتابنا الذي هو أحسن الحديث ، كي يتعظوا ويعتبروا ويتذكروا ما أمرناهم به ، أو نهيناهم عنه . فلعل هنا بمعنى كي التعليلية ، وهذا التعليل إنما هو بالنسبة إلى غيره - تعالى - .